القاضي عبد الجبار الهمذاني

395

المغني في أبواب التوحيد والعدل

اللّه تعالى ، فلا بد للاستحقاق من مزية على الفضل من قبله ، وسقط بذلك ما سأل عنه . فإن قال : إن العوض وإن كان سبيله سبيل التفضل في سائر أحواله ، فإنه قد يحسن منه تعالى الألم لأجله إذا كان قد علم أنه إن لم يؤلم لم يفعل ومتى ألم عوض . قيل له : خبرنا عن القديم سبحانه فيما علم أنه لا يفعل من قدر العوض لولا الألم . أليس لو فعل على جهة التفضل كان يحسن منه لا محالة ؟ وإذا قال نعم ، قيل له : فكيف يحسن منه تعالى أن يؤلم لأجله ؟ فهلا كان لذلك عبثا لأنه مؤلم العبد للعبد لأجل منفعة يصح ويحسن أن يوصلها إليه ؟ وهل للعبث صفة إلا ما ذكرناه ؟ يبين ذلك أن الواحد منا لو علم في الأجير أنه إذا استأجره ليروّح الهواء أو يصب الماء في البحر من جانب إلى جانب أنه يوصل إليه دينارا ؛ ولو لم يستأجره كان لا يوصل إليه . أليس لا يحسن منه أن يستأجره لكي يوصل ذلك ؟ وإذا ثبت ذلك وجب مثله في الأعواض المستحقة على الآلام من قبل القديم تعالى . وكل ما ذكرناه يبين أن الصحيح هو الّذي قاله أبو هاشم رحمه اللّه . فإن قال / أليس قد يصح منه تعالى أن يفعل من غير الآلام ما يقوم مقامها في كونها اعتبارا ومصلحة ، كما أنه قادر على مثل العوض . فما أنكرتم أن يقبح منه تعالى أن يفعل الألم لأجل ذلك ، وإلا فإن حسن لأجله ، وإن كان الحال ما ذكرنا لحسن لأجل العوض وإن حسن التفضل بمثله . قيل له : إنه غير معلوم أن غير الألم يقوم مقامه في كونه مصلحة واعتبارا ، بل لا يمتنع في الفعل أن لا ينوب غيره منا به . وليس كذلك حال العوض ، لأنا قد دللنا على أن التفضل بالهبة يصح ويحسن ، ولا يصح ما سألت عنه .